سيف الدين الآمدي
39
أبكار الأفكار في أصول الدين
ثم اختلافهم في قتل عثمان « 1 » ، واختلفوا في خلافة على « 2 » ومعاوية ، وما جرى في وقعة الجمل ، وصفين إلى غير ذلك . ثم اختلافهم أيضا في بعض الأحكام الفرعية : كاختلافهم في الكلالة « 3 » وميراث الجد مع الإخوة والأخوات ، وعقل الأصابع ، وديات الأسنان إلى غير ذلك من الأحكام ، ولم يزل الأمر في الخلاف يتدرج إلى آخر أيام الصحابة حتى ظهر معبد الجهني « 4 » ، وغيلان الدمشقي « 5 » ، ويونس الأسوارى « 6 » ، وخالفوا في القدر ، ومنعوا من إضافة الخير والشر ، إلى الله - تعالى - وإلى تقديره ، ولم يزل الخلاف يتشعب ، والآراء تختلف ، حتى تفرق الإسلام ، وأرباب المقالات فيه ، إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وكان ذلك من معجزات النبي - صلى اللّه عليه وسلم - حيث وقع ما أخبر به قبل وقوعه حيث قال - عليه الصلاة والسلام - : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، قالوا يا رسول الله : من الملّة الواحدة التي تنقلت قال : ما أنا عليه وأصحابي » « 7 » .
--> ( 1 ) انظر ما سيأتي في قاعدة الإمامة ل 308 / أو ما بعدها . ( 2 ) انظر ما سيأتي في قاعدة الإمامة ل 308 / ب وما بعدها . ( 3 ) الكلالة : من مات ولا والد له ، ولا ولد ، قال تعالى : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة النساء 4 / 176 . ( 4 ) معبد الجهني : هو معبد بن خالد الجهني البصري - ولد بالبصرة ، وتنقل بين دمشق ، والمدينة المنورة ، وهو أول من تكلم في القدر . فقد رأى من يتعلل في المعصية بالقدر ؛ فأراد أن يرد عليه ، ولكنه أخطأ وقال : « لا قدر والأمر أنف » ، فنبذه الصحابة ، والتابعون ، وقتله الحجاج بعد سنة ثمانين . ( العبر 1 / 92 - البداية والنهاية 9 / 44 - ميزان الاعتدال 3 / 183 ) ( 5 ) هو أبو مروان غيلان بن مروان بم مسلم الدمشقي ، أخذ القول في القدر عن معبد الجهني ، وله فرقة تنسب إليه ( الغيلانية ) من المرجئة قتله هشام بن عبد الملك عندما تولى الخلافة ( لسان الميزان 4 / 424 - الانتصار للخياط ص 189 ) . ( 6 ) الأسوارى : هو أبو علي الأسوارى : كان من أتباع أبى الهذيل العلاف ثم انتقل إلى مذهب النظام وهو شيخ الأسوارية من المعتزلة ، عدّ من الطبقة السابعة ( طبقات المعتزلة ص 72 ، الفرق بين الفرق 165 ، الانتصار ص 48 ) وانظر عنه أيضا ما سيأتي ل 245 / أ . ( 7 ) قارن بما ورد في الفرق بين الفرق للبغدادي ، الّذي اهتم بهذا الحديث وخصص له الباب الأول من كتابه فقال : « الباب الأول : في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمة » قال : وللحديث الوارد على افتراق الأمة أسانيد كثيرة وقد رواه عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - جماعة من الصحابة : كأنس بن مالك ، وأبي هريرة وأبى الدرداء ، وجابر وأبي سعيد الخدري ، وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبى أمامة ، ووائلة بن الأسقع ، وغيرهم وقد ورد هذا الحديث بعدة ألفاظ . وما هنا فقد أخرجه أبو داود في سننه 2 / 503 عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . وأخرجه الترمذي في سننه 5 / 25 عن أبي هريرة أيضا ، وقال عنه هذا حديث حسن صحيح . وقد ذكر صاحب الفرق بين الفرق رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو رضي اللّه عنه قال : قال رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - : « ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل ، تفرّق بنوا إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، تزيد عليهم ملة ، كلهم في النار لا ملة واحدة ، قالوا : يا رسول الله وما الملة التي تتغلب ؟ قال : ما أنى عليه وأصحابي » . كما ذكر رواية ثالثة عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة » .